اسماعيل بن محمد القونوي

502

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بالاستعارة يفضي إلى إحداث قسم للاستعارة ثالث إذ لا شك أنه ليس استعارة أصلية وهو ظاهر ولا تبعية لجريانها في المشتقات باعتبار المشتق منه وهنا ليس كذلك إذ الاستعارة هنا باعتبار الهيئة لا باعتبار المادة وهذا الإشكال وارد في مثل وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 44 ] الآية قوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا [ الزمر : 73 ] الآية وغير ذلك فجوابه أن الاستعارة هنا اعتبرت أولا في الإنزال بأن شبه أولا الإنزال فيما سينزل وما نزل أي المجموع المركب منهما بالإنزال المحقق في الماضي في تحقق الوقوع فاعتبرت الاستعارة أولا في الإنزال المقيد بالماضي للإنزال المعتبر في المستقبل ثم اعتبر بواسطة ذلك في إنزال فيكون استعارة تبعية هكذا حقق في فن البيان وإن اختلف فيه العلماء الأعيان والقول بأنه لم يعهد تشبيه الجزء بالكل لما يلزم عليه من تشبيه الشيء بنفسه مدفوع بأن المجموع من حيث المجموع مغاير للجزء وإن المشبه به ليس هو الجزء المنزل بالفعل في الماضي بل الأمر المنزل في الماضي غير الجزء كالتوراة مثلا على أنه لا يجب أن يكون المشبه به أمرا محققا بل يكفي كونه موجودا فرضا كما حقق في قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] الآية والعجب من هؤلاء الفحول كيف ذهلوا عن التحقيق مع أن ذلك كله مسطور في كلام الثقات وفي الكتب المعتبرات . قوله : ( ونظيره قوله تعالى ) حكاية عن الجن ( أنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ) النظير يستعمل في معنى المثال وفيما كان مثلا للشيء في الاعتبارات في غير تلك المادة وهذا هو المتعارف والظاهر أنه مراد المصنف إذ سمعنا كتابا وأنزل كتابا كلاهما يحتاج إلى أحد التوجهين المذكورين إما التغليب أو التنزيل وإلى ذلك أشار بقوله ( فإن الجن لم يسمعوا جميعه ولم يكن الكتاب كله منزلا حينئذ ) ولا ريب في أن المجموع ليس عين ما مر بل نظيره على أن كونه مثالا لا معنى له إذ الجزئي لا يكون مثالا للجزئي فتعين ما ذكرناه والقول بأنه لا يخفى أن المتبادر من سمعنا كتابا سمعنا بعض كتاب لظهور أن ليس المقصود سمعنا بعض كتاب ونسمع بعضا آخر لأنه غير معلوم بخلاف الإنزال فإنه معلوم أنه ينزل بعضا آخر تدقيق خارج عن تحقيق أما أولا فمن أين يعلم أنهم لم يسمعوا بعده وعدم العلم بذلك لا يستلزم العدم مع أنهم آمنوا به فلا بدّ من سماع البعض الآخر لتعبدهم به فإن الجن مكلف بشرعنا اتفاقا وأما ثانيا فلأنه لا فرق بين سمعنا كتابا وأنزل كتابا بأن المتبادر من الأول البعض والثالث إنزال الكل بل هما سيان في أن المتبادر من كل منهما ما هو المتبادر من الآخر بل يمكن أن يقال الأمر بالعكس إذ بشهادة الإيمان يعلم أنه يجب عليهم سمع البعض الآخر المنزل وأما إنزال بعض آخر فمن أين يعلم ما لم ينزل بعد فالتعبير بصيغة المضي في سمعنا وأنزل إما للتغليب أو للتنزيل إذ الكتاب كالقرآن يراده المجموع لا سيما وقد قيد بكونه من بعد موسى فهو كله لا بعضه ولا القدر المشترك بينه وبين كله لكن يرد عليه أيضا ما يرد على ذلك فلا تغفل . قوله : ( وبما أنزل من قبلك التوراة والإنجيل ) لا التوراة فقط ولا الإنجيل فقط كما